ثقافة الدم عند بعض العرب..ثقافة اصيلة
كريم البيضاني
منظر الدم من اكثر المناظر بشاعة عند الانسان منذ القدم, فكل الامثال تضرب حول قسوة الانسان مرتبطة بالدم. اما الدم عند العرب وهذا موضوعنا فهو شيئ مرتبط بثقافتهم وفي حياتهم اليومية. فالعرب ثأريين بطبعهم ويقال حتى الحيوان الذي لاصق حياتهم منذ القدم هو ثأري ايظا واقصد(البعير) ويقال ان هذا البعير لن ينسى صورتك لو ضربته او سببت له شيئا يزعجه فسوف ينتقم منك وياخذ بثأره مهما طال الزمن.
المسألة هنا ليست بتحميل العرب صفة لا يحملوها او هو تشهير بالعرب كقوم بل نقصد من ذلك ان هناك امور لاصقت حياة الشعوب العربية وجعلت منها شعوب متعطشة للدم بالرغم من ان اغلبية العرب ميالون للسلم والتواضع والبساطة. القصد هنا هوهذه الثقافة الدموية التي ابتليت بها هذه الشعوب وجعلت منها شعوب تعشق الدم في نظر الكثير من الشعوب الاخرى.
فالذي حدث منذ ظهور العرب كقوة امبراطورية تحمل ثقافة وطموح سياسي في بدايات الالفية الاولى من التقويم الميلادي وخاصة بعد ظهور الدين الاسلامي . وان الشعوب الاخرى تعرفت عليهم من خلال اجتياحهم لاغلب مدن الشرق الاسيوي والشمال الافريقي .بقصد نشر الدين الاسلامي ولكن ماحصل أنذاك لم يكن فتحا اسلاميا فقط بل كان احتلالا بالمفهوم العصري للاحتلال وكانت هناك اخطاء ومجازر قد حصلت ولكن بحكم السيطرة القوية للعرب على هذه الشعوب لم يستيع السكان الاصليين ان يبرزوا معاناتهم وخاصة بعد تشابك مصالح العرب مع شعوب اخرى طامحة بمكاسب او طامعة بسلطان وهكذا قبلوا بالامر الواقع ولكنهم تقبلوا الدين الاسلامي الذي هو بعيد عن تصرفات وحماقات هؤلاء .وتحول وجودهم في تلك البلدان الى كابوس مرعب وخاصة في بلاد الشام والعراق وبلاد فارس. لقد ظهر فكر عنصري قاده بعض القادة العرب استطاع ان يعمق ثقافة الدم والاستئصال لكل ماهو غير عربي وبدات ثقافة الدم تأخذ مسارها واستمرت اكثر في فترات الدولة الاموية وحتى في الفترة العباسية والامبراطورية العثمانية التي هي خليفة التواجد العربي في السيطرة على هذه البلدان وامتداد لها.
لقد سيطر على هذه البلدان قادة يدعون انهم مسلمون ولكن في حقيقتهم كانوا دكتاتوريين عرب يحملون العصبية العربية التي تستبيح وتلغي الاخر. استطاعوا بقوة السيف ان يطمسوا ثقافات هذه البلدان ويحتقرون سكانها الاصليين ويجبرون الكثير منهم على تقبل ثقافتهم التي جلبت لهذه البلدان الخراب والتخلف الحضاري الذي لاتزال شواخصه حاضرة الى الان بصورة دكتاتوريات ترعرعت من هذا الماضي الملئ بالدم والحروب والفتن والتخلف. فليس مصادفة ان تجد حكام عرب قسات يحكمون بالحديد والنار كافة الدول التي تسمى عربية الان ويتوارثون الحكم بين ابنائهم ويبررون ذلك بانهم الاجدر بذلك لان بعضهم له جذور تاريخية في الحكم. ومن المفارقات العجيبة ان اغلب الحكام العرب يصابون بانفصام الشخصية والطغيان حتى تتصورهم جبابرة لا يعترفون الا بانفسهم بشر والباقين (قردة وخنازير) وكذلك يتعلم منهم شعوبهم هذه النظرة العنصرية للاخرين.
قد يعترض البعض على ما اقول ويقول انظر الى العلماء العرب وكيف ابدعوا بالعلم والمعرفة والثقافة وغيرها من مناحي الحياة . ولكن اغلب الشعوب العربية تجهل ان العرب ابدعوا فقط في الشعر والذي لايفهمه الا هم وليس بقية الناس وحتى الشعوب العربية لايمكن ان تفهم من هذا الشعر الا عبر تفسيره وهي عملية معقدة وصعبة. ان اغلب الذين يدعي العرب انهم علمائهم, لم يكونوا بالاصل عرب وزرياب لم يكن عربيا وهو الذي ابدع في مجال الموسيقى التي هي جزء مهم من ثقافة الشعوب الاخرى والذي يكفرها اصوليو العرب الان, وكذلك لم يكن ابن سينا عربيا وكل النوابغ الذين يحملون اسماءا عربية ولكنهم في الحقيقة ينتمون الى اصول غير عربية.
والاغرب من ذلك ان المناطق التي نزح منها العرب باتجاء المناطق الجديدة التي (فتحوها) او احتلوها بقيت على عصبيتها وضغائنا وابتليت شعوب وامم بنتائجها والتي لازالت تعاني منها الى يومنا هذا ومنها العراق ودول كثيرة اخرى.
ان الدم الذي يراق في العراق الان واعلان الاصوليين العرب اسلاميين وقوميين عن القيام بحملة اخرى لاخماد روح التمرد التي حصلت ولازلت تحصل في العراق وانهم لايقبلون الا بواقع هم خلقوه ولايمكن اللعب به وان كل مايفعلونه الان هو مبررا للحفاظ على عروبة العراق وعدم ضياعها من ايديهم التي تشبعت بدماء ابنائه. ان عمليات القتل بدم بارد في العراق ناتجة عن قناعة وتفكير مسبق وهو ان انفراط عقد السيطرة العربية على العراق وانعتاق اهل العراق من هذه الثقافة الدموية سوف تتبعها ثورات اخرى ومطالب اخرى سوف ترسل اصحاب هذه الثقافة الى مضاربهم في جزيرتهم . وسف يبدأ الابداع الانساني من جديد في هذه المناطق والذي انطفأ منذ زمن بعيد .
ان حسرات القومجيين العرب (اصحاب النظريات البائسة حول اصول الناس ومنابعهم )على ملكهم الذي بدأ يتبدد في العراق سوف تكبر مع رجوع الحق الى اصحابه في دول ابتليت بهذه الثقافة التي هي في الحقيقة بعيدة عن ثقافة الدين الاسلامي التي يحاولون صبغ افعالهم بها. فاي دين في العالم لايقبل الظلم وقطع الرؤس والتخلف والعصبية القبلية ويدعوا الى ان الناس سواسية كاسنان المشط وليس ان هذا عربي اصيل والاخر قرد وخنزير مسخ كما يشيعون ذلك بينهم.
ان ملك المغرب مثلا يدعي انه من سلالة النبي محمد وكذلك ملك الاردن وحتى عرفات اصبح من سلالة على بن ابي طالب(ع) كما صرحت عشيرته عشيرة القدوة او عرفات بذلك بالامس. تصورو ان خير الله طلفاح خال المجرم صدام رسم شجرة له ولابن اخته بانهم احفاد على بن ابي طالب ايظا وكتبوا ذلك في كتب كان يبيعها المعتوه طلفاح في جمعياته ويصر على شرائها باغراء الناس باسعار مخفضة لبضاعته.
ان ثقافة الدم ثقافة اصيلة عند الاقوام العربية عززها الصراع القبلي المقيت بين هذه القبائل. وخير مثال على ذلك تلك الحروب الطاحنة التي استمرت عشرات السنين فيما بينهم ولاسباب تافهة وتغنى بها فطاحل شعراء العرب ورسموا سير معاركها بشعر لازال يتغنى به الى الان الكثير منهم. ففي العراق ومصر وسوريا وكل الدول التي تسمى عربية الان, يدرس تلاميذ المدارس فيها هذه الثقافة المقيتة التي تحكي ضغائن القبائل العربية وعنجهية بعض ابطالها ويصورون لاجيال شعوب تلك الدول بان بناة الاهرامات كانوا قتلة ومجرمين وان بابل وملوكها هم عبارة عن طغات ليس لهم حضارة وان تدمير بابل كان فعل محمودا .
ان في هذه الثقافة يكون الدم المراق هو الحدث الابرز,والى الان لو نظرت في شاشات التلفاز العربية الفضائية تجد ان رقصات السيوف واهازيج الموت والبطولات الزائفة تملئ الاصقاع, وترى طفلا لا يتجاوز العاشرة من العمر يمسك سيفا ويلوح به في تمتمات هولا يفهما ولكن عليه ان يرددها الى ان تحين الساعة ويصبر عبوة ناسفة في وجه خصمه المزعوم .
الكل يعرف ان فراعنة مصر لم يكونوا عربا والكل يعرف ان بلاد الشام لم تكن عربية ولاحتى بلاد الرافدين او ماتسمى عالميا(ميسوبوتاميا) لم تك عربية ولا الشمال الافريقي ايظا . ان استغلال الدين الاسلامي لنشر الثقافة العربية التي لم نرى منها الا اخبار داحس والغبراء وبطولات بني عبس وسيف الحجاج اليمني الذي يتباهى بقطع الرؤس التي اينعت. ان هذه الثقافة لازال يعاني منها كل شعوب المنطقة ان كانوا عربا ام من شعوب اخرى تعيش معهم. ان الصور البشعة التي ملئت وسائل الاعلام والانترنيت في قطع الرؤس وتفجير الناس بلا وازع انساني ولمجرد ان المقابل خصم مزعوم جعلت من الناس لايفرقون بين الظالم الارهابي والشعوب المقهورة بفعل هذه الثقافة الدموية . ان عملية قطع الرؤس هي ثقافة لازالت تطبق في احكام القوانين السعودية مثلا وكذلك بتر الايدي بالسيف لتنفيذ عقوبة ما. ان ما فعله صدام بالعراقيين كان مبررا من الكثير من العرب بحجة ان الضحايا ليسوا عربا او تطاولوا اوخالفوا ولي الامر. وتصوروا ان بداية اندحار ثقافة الدم هذه قد بدأت مع ظهور الارهاب والارهابيين الذين اغلبهم عرب وجميعهم مسلمين وهذه حقيقة ليست من عندي بل اعترف بها العرب والمسلمين انفسهم.
ان شماعة العدو الخارجي المزعوم هي التي طغت على مراحل نشؤء الدول المسماة العربية الحالية وكذلك الاسلامية التي تتبع المنهج والثقافة العربية ونشأت على اثرها الدكتاتوريات التي غذت روح العداء للشعوب الاخرى .ومازاد الامر تعقيدا هو ظهور النفط كمادة ستراتيجية على مستوى دولي وتواجده بغزارة في اغلب الدول العربية والاسلامية جعلت مسألة التفكير بتصحيح مسار الحياة لهذه الشعوب امرا مستحيلا مع وقوع الثروة الناتجة عنه بيد الحكام انفسهم. فعملية شراء الذمم وتعطيل دورة الحياة هي من سماة كل الدول العربية واغلب الدول الاسلامية.
ان المتباكين على عروبة العراق عليهم اولا ان يقنعوا اهل العراق هل هم مقتنعون بطروحاتهم وهل عملية قتلهم واستأصالهم وانكار حقهم بالعيش في بلدهم امنين هي الطريقة المثلى للابقاء على هذه العروبة المصطنعة؟ ام عليهم ان يستأصلوا هذه الثقافة المقيتة من نفوسهم وان يقبلوا بواقع ناصع البياض غير ملوث يكون الانسان فيه اخ لاخيه وليس قردا وخنزيرا . لقد دارت عجلة الحياة في اغلب الدول التي ابتليت بثقافة الدم العروبية هذه ولايمكن ان يوقفها لا داحس ولا الغبراء.