الباب اللي تاتي منها الريح الصفراء سدها واستريح ياعراقي

 

 كريم البيضاني

Kareem_albaidani@hotmail.com

 

  المثل العراقي الشهير (الباب اللي تجيك منها الريح سدها واستريح) ينطبق الان على البوابة الغربية لحدود العراق  وهي الاردن . ان مسألة سحب السفراء فقط طريقة بدائية في انقاذ شعب العراق من الريح الصفراء القادمة من دويلة شرق الاردن . فكل الدلائل تشير الى ان هؤلاء القوم القاطنين هناك يعتبرون ان هلاك الشعب العراقي مسألة مبدأ لديهم. لان غلق باب الحدود الغربية للعراق يعني ان الفلوجة والرمادي والموصل وبغداد سوف تكون اكثر امانا وراحة للعراقيين الذين سوف يلتفتون الى بناء بلدهم بدلا من ان يقعوا فريسة للارهابيين الاردنيين التي ذاق بهم ابناء العراق في تلك المناطق ذرعا. احد اخواننا الدليم النشامى اخذ بثأر اخيه العراقي الذي غدربه  مرضى السلفية الاردنيين وقتلوه لانه اصبح في سلك الشرطة العراقية حيث قتل سبعة من الارهابيين العرب الذين اكثرهم اردنيين. ان وجود هذا الشهيد في مكانه الصحيح لحماية ابناء بلده في سلك الشرطة حيث يعتبره الاردنيين عميل لامريكا والاحتلال الذي يصر على تسميته هؤلاء لتبرير افعالهم الاجرامية تجاه بلدنا.

 ان وجود حكومة مارقة مثل حكومة الذل والعار التي تحكم الاردن والمساندة للارهابيين عبر مخابراتها القذرة التي اذاقت الفلسطيينيين والاردنيين السم الزعاف يوم كان يتسلط عليهم ملك حسين وكيف جعل من المواطن الاردني شبحا يخاف ظلة .

      قبل سنين طويلة وتحديدا ايام الدراسة كان لي زملاء اعزاء من الاردن وفلسطين وسوريا ,وكانو من عوائل لها فعل مؤثر في بلدانهم فمنهم من عائلة الطراونة المعروفة في الاردن ومنهم من عائلة الدباس ومنهم من عائلة الرنتيسي والبطة والحوراني وغيرهم من العشائر الفلسطينية والاردنية. وكان هؤلاء مثال للاخلاق والصداقة ويتمتعون بكل الخلق الانساني الرفيع . وكان هؤلاء اناس على درجة كبيرة من الوعي ولم يكونو تابعين الى الحركات السياسية في بلدانهم . كان استاذنا بروفيسور يهودي وكان يكن الاحترام الكبير لزملائي من عائلة المومني الاردنية المعروفة بسبب انضباطهم واصرارهم على حضور المحاضرات التي كنا نتلقاها في الجامعة وكان يعتبر هؤلاء الاردنيين بالذات رغم انتمائهم الى احدى الاحزاب الدينية الاردنية مثال للطالب المجتهد, وكان هؤلاء مثال يحتذى به في التسامح والامانة.

      مرت الايام وقررت الخروج من العراق بعد التنكيل الذي حصل للعراقيين والمستقبل الاسود الذي كان ينتظر الجميع بعد الثورة على صدام والبعثيين بعد حرب الكويت , وكان المنفذ الوحيد للعراقيين هو الاردن لان ايران لاتسمح لاحد بدخول اراضيها بسبب الحرب او سياسة ايران نفسها في ايقاع العراقيين في شرك الابتزاز الاردني ولا حتى سوريا التي كان من يدخل اراضيها عليه ان يرمي جوازه العراقي ولايفكر بالعودة الى العراق مادام حكم صدام موجودا.

     لهذا كان الاردن المنفذ الوحيد . وقد حصل الذي حصل ودخلنا الاردن ولكني لم اجد ماكنت اتوقعة من الاخلاق والصداقة والاحترام الذي عشته مع زملائي الاردنيين والفلسطينيين. لقد وجدت شعبا ناقما على العراق واهله لان صدام دخل الكويت واحتلها وكيف تورط الاردنيين والفلسطينيين بالوهم الذي اوقعهم فيه صدام المجرم من ان استيلائه على الكويت سوف يكون الوطن البديل لهم من لدن (سيادته) لاخوانه الفلسطينيين وليذهب شعب الكويت الذي اسكنهم واكرمهم الى الجحيم.

    وهكذا بدأت الحكاية وتواطئ الكثير من سكان الاردن في ذلك. كان الاردني الذي يسكن الكويت له (الحق) في نهب مايمكن نهبه من الكويت حتى انهم قامو بتحميل محتويات دور كويتية بالكامل وارسالها الى الاردن وكانت السيارات الكويتية المنهوبة تدخل الى العراق وتذهب من هناك مباشرة الى الاردن بحجة ملكيتها لمواطنين اردنيين. وطبعا كل ذلك دفعه العراقيين المساكين من لقمة عيشهم بمايسمى صندوق التعويضات ,حيث استفاد الاردنيين وغيرهم من سكان الاردن باقصى مايمكن من الاموال التي اقتطعت من عائدات النفط العراقي. ولم اجد في الاردن التي توقعت في مخيلتي الصورة الجميلة التي تجسدت بشخصية زملائي الاردنيين من الطراونة الزرقاويين ومن الدباس السلطيين وغيرهم.

     لقد وجد اناس يحتقرون حتى انفسهم ولايهمهم الا الكلام عن صفقات النهب والاستغلال من لدن الاردنيين. كانت وجوههم مكفهرة بائسة وكان هناك منظرا لايمكن انساه ولم يصادفني في كل حياتي التي قضيت اغلبها بين العواصم والدول بعيدا عن وطني , وكان هذا المنظر البائس لابناء العراق وهم يفترشون الارض في شوارع المدن الاردنية. شاهدت جمهرة من الشباب الاردنيين وهم يطاردون عراقيا شابا في مقتبل العمر وطرحوه ارضا وبدأو بركله وهو يصرخ اللعنة على الزمان كيف اصبحت غريبا في بلدا ابنائه يهينون الغريب و اريد العودة الى بلدي حتى لو اعدمني صدام . وعندما سألت من يكون هؤلاء الذين اعتدوا على هذا الشاب العراقي ؟, قالو لي انهم شباب اردنيين ( يتسلون بضرب العراقيين) يوميا بلا سبب ويتم ذلك امام اعين الشرطة الاردنية التي اذا اشتكى احدا ضدهم فسيكون مصيره الاهانة والتسفير حتى ولو كان محكوم عليه بالاعدام في العراق.

      ولم استطيع البقاء هناك لانتظار الطائرة التي كانت ستطير بي بعيد عن الوطن وبلدان العرب البائسة واستقليت (تاكسي الى دمشق ) بعد ان نصحني احد العراقيين بالذهاب الى هناك بالرغم من ان رجوعي للعراق يعني السجن والاعدام بسبب وجود الختم السوري على جواز سفري وفعلا سافرت الى دمشق ولني رأيت في الحدود السورية الاردنية العجائب .

       لقد كان في هذه الحدود جمهرة من العراقيين الذين ينتظرون (البرقية) بالموافقة على دخولهم الى سوريا .وكان الانتظار يطول حوالي ساعتين وكنت اريد المرور فقط عبر سوريا انذاك الى تركيا وقد حالفني الحظ في الحصول على اشارة مرور عبارة عن ورقة لم افهم ما مكتوب في داخلها سوى رقم (279) الذي سوف لن انساه ماحييت اما الذين يرفضهم درك الحدود فكان نصيبهم اعقاب البنادق والابعاد الى الاردن من جديد حيث العذاب وشحة المياه وعدم الامان .

      وهكذا سافرت الى دمشق وانتظرت الباصات التركية الذاهبة الى جنوب تركيا وحجزت التذكرة وكان كل شيئ على مايرام الا التفاهة وروح التعالي الذي سببها لى سائق التكسي الاردني الذي اوصلني الى دمشق وكان كل حديثه عن العراقيين وكيف كان يشتمهم وكان يحتقركل ماهو عراقي . وكان ان صادف ان عبرنا الحدود الاردنية السورية وحاول هذا الاردني الاستمرار في صلفه ولكني استطعت ان اضعه في مكانه الصحيح وبمساعدة احد المواطنين السوريين الشرفاء الذي ساعدنا وكان هذا المواطن سوري ارمني من مدينة حلب .

      لقد قام هذا الانسان الشريف المجهول بمساعدتي في تعريفي على اماكن الحجز والسوق واصر على دعوتي للمطعم وكان مثال للاخلاق والضيافة وكانت دمشق لاتختلف عن بغداد في كرمها ونبالة شعبها وتركني وسافر الى مدينته  وافترقنا وكان الجميع الذين التقيتهم في طريقي الى الحدود التركية كانوا مثال للطيبة والنبل ماعدا الاجراءات الروتينية للموظفين السوريين المرتشين وهذا امر طبيعي في بلد يحكمه نظام شمولي.