|
عن الذين يأكلون ولا”يوصوصون”
محمد الكاظم عشرات السادة النواب لم يتكلموا إطلاقا منذ بداية الدورة البرلمانية الحالية. معلومة مثيرة وخطرة خصوصا ان اكثر من نائب أكدها. وقدر بعضهم أن عدد الصامتين يبلغ 100 نائب، لم يدلوا بآرائهم بصورة رسمية تحت قبة البرلمان منذ 2010 وحتى الان. فضلا عن نواب لم يحضروا اصلا للمجلس ضاربين بعرض الحائط فكرة العقوبات التي يفترض ان يطبقها البرلمان بحق المتغيبين.
ورغم عملية المونتاج التي تطال بث جلسات البرلمان، الا ان الصور المتاحة تحمل مشهد غريبا. فأغلب النواب يتلفتون يمينا ويسارا اذا ما تمت عملية التصويت على قانون ما. اما لماذا يتلفتون يمنة ويسرة فالسبب واضح لمن يتابع عملية طبخ القوانين في برلماننا. فالنواب المغلوبون على امرهم من الذين دخلوا الى البرلمان تحت عباءة زعمائهم، يتلفتون لمعرفة رأي صقور الكتلة او أهل الحل والعقد فيها، لمعرفة هل صوّت اولئك الصقور ام لا، مع ان عملية التصويت في العادة تكون متفقا عليها سلفا. لكن اغرب غرائب البرلمان هو ان الكتل السياسية تنتهج منهجا يقوم على الاخلال بالنصاب كلما تأزمت الامور. وهكذا يجلس النواب في كافتريا البرلمان لشرب الشاي وتناول الطعام وتبادل اطراف الحديث، بينما يفترض ان يجلسوا في قاعة البرلمان للتصويت بنعم او لا على قانون إشكالي مطروح في القاعة المجاورة. هذا التكتيك شرعي من الناحية القانونية. لكنه تكتيك لا يتلاءم مع اخلاقية العمل البرلماني. فالناخب العراقي وضع ثقته في السادة النواب ليقولوا “نعم” للقوانين التي يعتقدون انها تنفع العراق واهله. ويقولون “لا“ بكل حزم وشجاعة ووضوح للقوانين التي لا تنسجم مع حاجات العراقيين. اما عملية الاخلال المستمر بالنصاب فهي عملية تمييع للقوانين وتكتيك يستهدف البحث عن صفقة. هذا التكتيك كما هو واضح هو تكتيك يفتقر الى الجرأة اللازمة لرفض ما لا ينسجم مع قناعة السادة النواب الذين وضع الشارع ثقته فيهم. ونوع من الهرب من المسؤولية، اضافة الى كونه تكتيكا يترك الباب مواربا ليسمح فرصة لنشوء صفقة من نوع ما. وما عملية تمرير القوانين في سلة واحدة الا نتيجة لهذا التكتيك الذي يقود الى نوع من كسب الوقت. فلا هو يتوافر على شجاعة التصويت ضد القانون فيفشل عملية تمريره نهائيا، ولا هو يمتلك شجاعة الموافقة عليه فيريح ويستريح. بالطبع الشجاعة التي تحتاج اليها عملية التصويت ايجابا او سلبا تحتاج الى استقلالية قرار النائب، والى تصورات واضحة وقراءة موضوعية خصوصا في المسائل السياسية المعقدة، التي لا يجيد الكثير من النواب التعامل معها بمفردهم. لذلك يميل كثيرون الى الصمت وترك الامور تسير حسب اجتهادات صقور القادمة وطباخيها الكبار، خصوصا اذا وجد هؤلاء الصقور ان مصلحة كتلهم تكمن في الاخلال في النصاب اللازم لتمرير القوانين. هنا يأتي دور النواب الصامتين الذين يأكلون ويوصوصون اذ يقومون بدورهم بالخروج من القاعة. وبالطبع لهذا الصمت اضراره وثمنه. ففي النتيجة يمثل هذا النائب صوتا وموقفا ورقما برلمانيا مهما، سواء كان فعالا ومؤثرا، او بقي من ذلك النمط الذي يمشي قرب الحائط، لأن له اثره في صياغة القوانين. وهكذا بقي الكثير من السادة النواب عالة على البرلمان وعلى طموحات العراقيين، لأن رغبات رؤساء الكتل التي جاءت بهم اولى لديهم من رغبات الشارع الذي انتخبهم. وما دمنا نعيش حمى الحديث عن الانتخابات القادمة والاستعداد لها، يبدو ان من الضروري ان يحدد الناخب العراقي خياراته منذ الان بقراءة الوجوه وتحليل المواقف. فالبرلمان العراقي الذي يمثل قلب الدولة النابض الذي يضخ التشريعات اللازمة ويقوم بمراقبة مختلف أداءها، يفترض ان يضم رجالا ونساء يتحلون بالشجاعة التي تتطلبها عملية بناء الدولة وبناء الانسان، لأن العراق لا يزال يحتاج الى المزيد من الجرأة في التوصل الى حلول لمشكلات السياسة، والمزيد من الجرأة على صعيد تشريع القوانين ذات العلاقة بالاقتصاد والامن والتعليم والصحة وتحقيق والعدالة الاجتماعية، لمواجهة تراكمات الماضي ومسايرة استحقاقات المستقبل. كل هذه المهمات يقوم بها رجال ونساء شجعان لا يرتضون لانفسهم ان يبقوا مجرد ارقام او زوائد لا معنى لها الا لدى الموظف المسؤول عن عملية عد الاصوات في قاعة البرلمان. مقالي هذا للناخب العراقي ولبعض النواب الصامتين. اما صقور الكتل النيابية وحيتانها فلا خوف عليهم ولا هم يصوّتون. فهم سيعودون من الشباك اذا ما خرجوا من الباب. هذه القناعة يعبر عنها احد النواب الذين يوصفون بالصقور، اثناء لقاءه بعدد من وجوه محافظته عندما عاتبوه على عدم زيارته لهم منذ انتهاء الانتخابات. اذ قال لهم "انا لن ازوركم في هذه الدورة، ولا في الدورة المقبلة، واذا لم تنتخبوني نائبا وخرجت من البرلمان. فسأدخله عبر المقاعد التعويضية، واذا لم تتوفر تلك المقاعد فسأعود وزيرا. وعندها لن اقدم لكم شيئا." وعندما قالوا له "انت لم تقدم لنا شيئا وانت نائب." فرد عليهم "لانكم لم تعطوني الاصوات الكافية لدخول البرلمان وانا اصبحت نائبا بأصوات زعيم الكتلة. فهل أطيعكم ام أطيعه؟"
|